حسن الأمين

313

مستدركات أعيان الشيعة

يكاد ينعقد إجماع النقاد على أن البحتري لبث يتلفع بعباءة البداوة بالرغم من إقامته بين زخارف الحضارة العباسية وقصورها ورياضها . وهم لا ينفكون يرددون مع الآمدي انه : « اعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل ما فارق عمود الشعر المعروف » . والواقع ان شعره الوصفي لا يظهره لنا في تلك الصورة التي حرص النقاد على إظهاره بها فثمة اختلاف بين وصف البحتري ووصف امرئ القيس مثلا وسائر الجاهليين . فهو يعايش بيئة تخالف بيئة هؤلاء ويخضع لواقع اجتماعي يخالف واقعهم . وقد بدا ذلك خاصة في ترابط الصور والمعاني خلال بعض قصائده الوصفية وأحكام التشابيه والابتعاد عن الاستطراد والحبو والتزاحف على حضيض الواقع . ذلك أنه قد تأثر بواقع الحضارة بصورة لا واعية فتسربت إلى شعره روح العصر بالرغم من أنه لم ينصرف إلى اقتباسها والتوغل بها انصراف أبي تمام وابن الرومي والمتنبي . فوصفه من هذا القبيل حضري بدائي كنفسه نشهد فيه مادية الوصف الجاهلي دون فوضاه ، كما أننا نلمح أحيانا وجدانية الوصف العباسي وسببيته دون إسرافه بمظاهر البديع المستفاد من واقع النقوش لزخارف في عصره وربما كانت قصيدته التي مطلعها ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها نعم ونسألها عن بعض أهليها والتي يصف فيها بركة المتوكل تعطي فكرة واضحة عن النوع الأول من وصفه فهو إذ يصف بركة المتوكل يلم بموضوع جديد منقول عن واقع الحضارة والعمران اللذين يعايشهما . لكن جدة الموضوع لم تجد لديه جدة جذرية في طبيعة الأسلوب والصورة بل نراه يعمد إلى التحديق والتبصر الخارجيين وإلى ما رأته عيناه مكثرا مبالغا حتى أنه يذكرنا في أحيان كثيرة بالجاهليين وان لم يكن وصفه كوصفهم . ومع ذلك فان هذه القصيدة عرفت شهرة واسعة ووجدت من يبدي لها حماسا شديدا : « فالشاعر البحتري في هذه القصيدة قد امتلك موهبة الموسيقار والرسام إلى جانب رهافة حس الشاعر وسعة خياله واقتداره على اللغة » . ويذهب البعض الآخر إلى انها تؤلف ، قطعة واحدة متماسكة هي في اعتقادنا من خير ما قاله الشعراء على الإطلاق - عرب أو إفرنج - في وصف منظر من مناظر الطبيعة ، وصف البحتري تدفق ماء النهر في البركة ووصف صفاءها وبياضها وحركة الريح وسطوع الشمس عليها وتهتان المطر وانعكاس الكواكب بالليل كل ذلك في خمسة أبيات عدا . وفي كل بيت بل أكاد أقول في كل كلمة لوحة من التصوير البارع . ونحن وان كنا لا ننكر براعة البحتري في وصفه هذا . إلا أن هذا الوصف بقي في الحدود النقلية التصويرية التي تكشف عن نفسية تعجب بحجم الأشياء وتصعق بمظهرها الخارجي . إلا أن للبحتري فضيلة في الوصف لم تكن تتيسر للشاعر الجاهلي . فهو وان خطر ببعض فلذات من الوصف النسخي المنقول نراه في قصائد أخرى يلم بأوصاف ويجسد حركات وحوادث بتتابع وتصميم وتطور مما لم يكن يتيسر للجاهلي الذي يقوم وصفه على فلذات ونبذ من الصور المتباينة المستقلة كما في وصفه لموكب المتوكل في القصيدة التي سبقت الإشارة إليها في مديحه بمناسبة عيد الفطر . وفي شعر البحتري بعض الأبيات التي اعترض فيها بالوصف القصصي من ذلك وصفه للعراك بين الفتح بن خاقان والأسد إذ نراه يقبل على ذكر الحوادث معتمدا الدقة منتخبا منها ما يظهر بطولة أبي الفتح وشدته في قتال الأسد . وقد عقدت مقارنات عديدة بين قصيدة البحتري هذه وقصيدة المتنبي في بدر بن عمار والأسد . ومع أن القاضي الجرجاني كان سباقا في هذا المجال ورأى أن البحتري قد استوفى فيه المعنى وأجاد في الصفة ووصل إلى المراد إلا أنه في حكمه النهائي يفضل وصف المتنبي لتركيزه على إبراز القوة الرهيبة للأسد مما يعلي من شان بدر . ولقد ذهب النقاد الذين توالوا على نقده إلى أنه يتولى المعاني القديمة ويأخذ بتاديتها وفقا لتوليد وتوقيع جديدين فيؤثر كما يؤثر سواه من الشعراء بالمعاني والصور الجديدة كما في وصفه لقصر الفتح بن خاقان في القصيدة التي مطلعها : حلفت لها بالله يوم التفرق وبالوجد من قلبي بها المتعلق حيث تمتاز أبياته بالدقة والنغم الشجي المتالف الذي ما برح البحتري يبدع في توقيعه عبر الأبيات جميعا حتى يخيل إلينا في أحيان كثيرة اننا نتأثر بالنغم قبل أن نلج إلى المعنى وهذا ما تنبه له من قال : أراد البحتري أن يشعر فغنى . ومن قصائد البحتري المشهورة في الوصف قصيدته في وصف الذئب والتي مطلعها : سلام عليكم لا وفاء ولا عهد أما لكم من هجر احبابكم بد وهو ذئب لقيه الشاعر في الفلاة ودارت بينهما معركة انتهت بانتصار الشاعر . وقد بدأ البحتري قصيدته بالغزل وانتقل منه إلى الفخر بشجاعته وبعد همته . ثم وصف الذئب الذي قابله تلك الليلة ليقرر بعد ذلك . كلانا بها ذئب يحدث نفسه بصاحبه والجد يتعسه الجد وتنتهي المعركة فيخر الذئب صريعا فيشويه الشاعر على النار ويأكل منه ما شاء ويترك باقية . ويرفع الدكتور عبده بدوي قيمة هذه القصيدة إلى الذروة ويقول : إذا كانت قريش قد قالت في قصيدة علقمة بن عبدة التي يقول فيها : هل ما علمت وما استودعت مكتوم . انها سمط الدهر فإننا نستطيع أن نقول أن هذه القصيدة المحكمة سمط العصر الذي عاش فيه البحتري . وواقع الحال أن مقارنة متانية بين بركة البحتري وبحيرة لأمارتين وبين ذئبه وموت ذئب الفرددي فيني كافية لإبعادنا عن بعض الأحكام العامة المتسرعة وكافية لتبيان الفوارق بين الوصف التقريري الحافل بالمبالغة وبين الوصف الوجداني الذي نرى بعضا منه عند البحتري في وصفه لايوان كسرى وذلك في القصيدة التي مطلعها : صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جلا كل جبس فإننا نجد الشاعر وقد اعتراه الأسى المبهم الذي يفيض فيضا من أعماق النفس ويستبد بها دون أن تدري كنهه أو تقوى على التحرر منه . كما نجد عنده شعورا حادا بالقنوط والبؤس ونعيا لمصير الإنسان في الوجود . وعلى الرغم من الإطار الوصفي الخالص لقصيدته هذه فقد جاءت غناء وتاملا واعترافا بما يخطر له ويعانيه . من هنا تضمينها الكثير من الفلذات الوجدانية والآراء في الحياة والموت . يقول في وصف الأيوان : وكان لأيوان من عجب الصنعة جوب في جنب أرعن جلس